محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
152
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ؛ وقال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : سواء عليهم خوّفتهم بالقرآن أم لم تخوّفهم به لا يؤمنون ، أي لا يصدقون في علم اللّه . وقال قوام : هؤلاء قوم قامت عليهم حجّة اللّه في توحيده وما بعث به رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - . جحدوا بعد البيّنة ، وأنكروا بعد المعرفة ؛ فكفروا معاندين للّه حاسدين لرسوله ، فقال في وصفهم : قوله - جلّ وعزّ - : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) أي طبع على أفئدتهم وأقفلها ، فلا يصل الهدى إليها . قال أبو إسحاق الزجّاج : الختم التغطية على الشيء والاستيثاق أن لا يدخله شيء . قال : وهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون ولكنّهم لم يستعملوا هذه الحواس استعمالا يجدي عليهم ، فصاروا كمن لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل . قال الشاعر : أصمّ عمّا ساءه سميع قال المفضّل بن سلمة في هذه الآية : هو أن يجعل عليها ما يمنعها من الخبر كما يختم الباب والكتاب ؛ فلا تتوصّل إلى ما فيهما . الكلام قال الأشعري : من ختم على الشيء كأنّه أراد أن لا يدخل فيه ما ليس منه ، ولا يخرج منه ما هو فيه . فاللّه تعالى ختم على قلب الكافر لئلّا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر ؛ يدّل على ذلك قوله : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ، وقال : كَذلِكَ ( 62 ب ) يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ، وقال : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ وقال : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ، وقال : مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ؛ وعلى هذا المنهاج جرى كلام الجبرية ، ويلزمهم رفع التكليف أو تكليف ما لا يطاق ، فالتزموا ذلك ؛